عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
113
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
في رجليه سلسلة منوط فيها ، بينه وبين الماء شبر ، فقال : اسقني رحمك اللّه ، قال : فأخذت ملء كفي ماء فرفع بالسلسلة فذهبت بالماء ، فلما ذهب الماء حطّ الرجل . قال : ففعلت ذلك ثلاث مرات ، أو أربعا . قال : فلما رأيت ذلك منه ، قلت له : ما لك ويحك ؟ قال : أنا ابن آدم الذي قتل أخاه ، واللّه ما قتلت نفس ظلما منذ قتلت أخي إلا يعذبني اللّه بها ، لأنّي من أول سنّ القتل . وروى عاصم بن محمد الرازي في كتاب ( الرهبان ) ، حدّثنا عصمة العباداني ، قال : كنت أجول في بعض الفلوات ، إذ نظرت ديرا وفيه صومعة ، وفيها راهب ، فناديته ، فأشرف عليّ . فقلت له : من أين تأتيك الميرة ؟ قال : من مسيرة شهر . قلت : حدّثني بأعجب ما رأيت في هذه المواضع . قال : بينا أنا ذات يوم أدير بصري في هذه البرية القفر وأتفكر في عظمة اللّه وقدرته ، إذ رأيت طائرا أبيض مثل النعامة كبيرا ، قد وقع على تلك الصخرة - وأومى بيده إلى صخرة بيضاء - ، فتقيأ رأسا ، ثم رجلا ، ثم ساقا ، وإذا هو كلما تقيأ عضوا التمت بعضها إلى بعض أسرع من البرق ، فإذا همّ بالنهوض نقره الطائر فقطع أعضاءه ، ثم يرجع فيبتلعه ؛ فلم يزل على ذلك أياما ، فكثر تعجّبي منه ، وازددت يقينا بعظمة اللّه ، وعلمت أن لهذه الأجساد حياتا بعد الموت . وذكر أنه سأل عن ذلك الرجل يوما عن أمره ، فقال : أنا عبد الرحمن بن ملجم ، قاتل علي بن أبي طالب ، أمر اللّه هذا الملك أن يعذبني إلى يوم القيامة . قال : قال لي الملك : قد أتاني النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأمرني أن اخرج بهذا الجسد إلى جزيرة من البحر الأسود التي تخرج منها هوامّ أهل النار ، فأعذبه إلى يوم القيامة . وقد رويت هذه الحكاية من وجه آخر ، خرّجها ابن النجار في ( تاريخه ) من طرق السّلفي ، بإسناد له ، إلى الحسن بن محمد بن عبيد اليشكري ، حدّثنا إسماعيل بن أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن النجم - سنة عشر وثلاثمائة - ، أنه حضر مع يوسف بن أبي التياح بلاد سنباط حين فتحها ، وأن سنباط حضر مجلسه ، وحدّثنا عن راهب سماه . فأحضر يوسف الراهب ، فحدّثه الراهب بعد الامتناع ، أن ملكا نفاه إلى جزيرة على البحر منفردة ، قال : فرأيت يوما طائرا . فذكر شبيها بالحكاية . ورويت من وجه آخر ، من طريق أبي عبد اللّه محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي ، صاحب ( السداميات ) المشهورة ، عن علي بن هارون ، عن محمود الوراق ، حدّثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر البزار ، سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن أبي الأصبغ ، قال : قدم علينا شيخ غريب ، فذكر أنه كان نصرانيا سنين ، وأنه تعبّد في صومعة . قال : فبينما هو ذات يوم جالسا ، إذ جاءه طائر كالنسر ، أو كالكركي . فذكر شبيها بالحكاية مختصرا .